منذ نشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، تمكنت مؤسسات الحوكمة العالمية من القيام بدور فاعل في المسرح الدولي. وتُشير الحوكمة العالمية إلى المؤسسات التي تدير وبشكل جماعي مختلف القضايا العابرة للحدود الوطنية، ومن تلك المؤسسات على سبيل المثال وليس الحصر، الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والبنك الدولي. إلا أنه يبدو أن مؤسسات الحوكمة العالمية تمر بمرحلة حرجة، حيث وصل التعاون العالمي إلى أدنى مستوياته، في ظل تفاقم الاضطراب والتوتر المتزايد في الساحة الدولية، وازدياد حالة الاستقطاب والانقسام في النظام الدولي بشكل غير مسبوق. إضافة إلى تزايد المخاطر المرتبطة بظهور العولمة السريعة، منها الأمراض المعدية، والإرهاب، والصراعات العرقية، والمخاطر السيبرانية، التي يصعبُ على الحكومات المحلية احتواؤُها، وأصبحت تشكل خطراً على الأمن والاستقرار العالميين، وفي ضوء تلك المخاطر ظهرت المطالبات بحوكمة عالمية أكثر فاعلية.وقد برزت التحديات التي تواجه مجالات التعاون في الأجندة الدولية اليوم، وتحديداً في ظل تفاقم حدة الصراعات الجيوسياسية وتوجه العالم نحو التعددية القطبية، التي من شأنها أن تعرقل الحوكمة العالمية الفاعلة، وذلك لعدة أسباب، منها صعود الاقتصادات سريعة النمو التي تتزايد احتمالات تحول نفوذها الاقتصادي إلى سياسي، بشكل يطرح تحديات على الحوكمة العالمية، حيث يشكك عديد من تلك القوى في مفهوم الحوكمة وينظر إليه باعتباره مفهوماً غربياً، وبالتالي يمكن أن تخلق السياسات الداخلية لتلك الدول قيوداً تحد من التعاون الدولي في إطار المؤسسات العالمية.
وعلى سبيل المثال، تعالت الأصوات المنتقدة من دول الجنوب العالمي لما تعتبره «معايير مزدوجة» للغرب، عززها تكثيف الضغوطات الغربية على الدول الديمقراطية الصديقة في الجنوب العالمي لدعم العقوبات الدولية ضد روسيا بعد العملية العسكرية التي شنتها على أوكرانيا، والحرب بين إسرائيل وحماس، إضافة إلى انتقادات حول افتقار مؤسسات الحوكمة العالمية القائمة إلى الشرعية والشفافية، وذلك بشأن الإجراءات التي تنتهجها الدول المتقدمة لتحقيق التنمية الاقتصادية، في مقابل تقييدها لخيارات الدول النامية تجاه ذلك، والنتيجة هي أن قيمة القواعد العالمية أصبحت موضع تساؤل في مختلف أنحاء العالم.
وفي نوفمبر 2024، أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن العالم يواجه عجزاً عالمياً في الحوكمة والثقة، داعياً المجتمع الدولي إلى ضرورة السعي بعزم لإصلاح مجلس الأمن الدولي من أجل تعزيز الحوكمة الدولية. كما اعتمدت الأمم المتحدة في سبتمبر 2024، «ميثاق المستقبل»، الذي يعد الاتفاق الدولي الأكثر شمولاً منذ سنوات، ويغطي مجالات جديدة فضلاً عن قضايا لم يكن من الممكن الاتفاق عليها منذ عقود، بهدف ضمان قدرة المؤسسات الدولية على تحقيق أهدافها في مواجهة التحولات العالمية.
وفي الختام، يمكن القول إن التقدم في العمل الجماعي في إطار مؤسسات الحوكمة العالمية في المدى المنظور قد يشهد تباطؤاً متزايداً، وقد تتم الاستجابة للأزمات من خلال سياسات تكيُّف وأطر مؤقتة تحوطاً من تداعيات أكثر تهديداً، ولكن يبقى هناك هامش إيجابي أكثر يتمثل في نظام دولي مرن يتم من خلاله احتواء القوى الصاعدة بصورة تعزز من التعاون الشامل لمواجهة التهديدات الأمنية والبيئية والاقتصادية بفاعلية أكبر.
*باحث رئيسي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات